ابن حجة الحموي

181

خزانة الأدب وغاية الأرب

ترجع العود أحيانا وتخفضه * كما يطير ذباب الروضة الغرد قد تقدم القول وتقرر أن المولدين ومن تبعهم رغبوا عن تشابيه العرب لأنها مع عقادة التركيب لم تسفر عن كبير أمر وقال ابن رشيق في العمدة إن طريق العرب خولفت في كثير من الشعر إلى ما هو أليق بالوقت وأمس بأهله فإن القينة الجميلة لم ترض أن تشبه نفسها بالذباب كما قال أبو محجن ومثل ذلك قول ابن عون الكاتب يلاعبها كف المزاج محبة * لها وليجري الآن بينهما الأنس فتزبد من تيه عليه كأنها * عزيزة خدر قد تخبطها المس بشاعة هذا التشبيه تمجها الأذواق الصحيحة وتنفر منها الطباع السليمة فإن أهل الذوق ما يطيب لهم أن يشربوا شيئا يشبه زبد المصروع ومن التشابيه الغريبة التي جمعت بين عدم البلاغة وعقادة التركيب قول الشاعر فأصبحت بعد خط بهجتها * كأن قفرا رسومها قلما التقدير فأصبحت بعد بهجتها قفرا كان قلما خط رسومها وعدوا من التشابيه التي هي غير بليغة قول الشاعر في وصف الروض كأن شقائق النعمان فيه * ثياب قد روين من الدماء فهذا وإن كان تشبيها مضيئا فإن فيه بشاعة كثرة الدماء التي تعاف الأنفس اللطيفة رؤيتها وثبوت هذا النقد اتصل بالمتأخرين ونقدوه على الحاجري في قوله وما اخضر ذاك الخد نبتا وإنما * لكثرة ما شقت عليه المرائر وقالوا ما زاد الحاجري على أن جعل خد محبوبه مسلخا فالتشبيه أيضا وإن كان مضيئا فإن فيه بشاعة شق المرائر على خد المحبوب وبعضهم ما اكتفى بشق المرائر على خد محبوبه حتى سفك عليه الدماء بقوله وما أحمر ذاك الخد واخضر فوقه * عذارك إلا من دم ومرائر ومثل ذلك ما عابوه على ابن قلاقس في قوله أما ترى الصبح يخفى في دجنته * كأنما هو سقط بين أحشائي لا شك أن بهجة الصبح في أواخر الليل أبهج من السقط بين الأحشاء والمشبه أعلى وأغلى من المشبه به وعلى كل تقدير فالسقط بين الأحشاء وسفك الدماء وشق المرائر على خدود الأحباب تنفر منها الأمزجة اللطيفة اللهم إلا أن يكون ذلك ليس له تعلق بشيء من أوصاف المحبوب بل يكون تعلقه بحكاية حال واقعة كقول الشاعر نزلنا بنعمان الأراك وللندى * سقيط به ابتلت علينا المطارف وقفت بها والدمع أكثره دم * كأني من جفني بنعمان راعف هذه الحالة لا ينكر لها جريان الدمع دما فإنها حالة لائقة بجريانه على هذه الصفة لأن هذا الشاعر لما أن نزل بنعمان التي هي منازل أحبابه ووجدها مقفرة منهم لاق بحاله أن يجري الدمع لشدة الأسف دما ومثله قول ابن قاضي ميلة من قصيدته التي تقدم ذكرها ولما التقينا محرمين وسيرنا * بلبيك ربا والركائب تعسف نظرت إليها والمطي كأنما * غواربها منها معاطس رعف هذا التشبيه غاية في هذا الباب وجريان الدماء من غوارب المطي لائق بحكاية حاله فإن هذه الحالة فيها لطف الكنايات عن التعسف في شدة السرى قلت وإن سبكت هذه الحالة في قوالب الهجو ورصعها الشاعر في صفات من هجاه كانت أحسن موقعا وأبلغ موضعا كقول مولانا المقر الأشرف